عبد الملك الخركوشي النيسابوري

31

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال بعضهم : المعرفة على وجهين : معرفة على رؤية النعمة ؛ ومعرفة على رؤية المنعم . فأما المعرفة التي هي على رؤية النعمة فهي أن العبد يعرف المنعم بالنعمة للنعمة ، قال اللّه عز وجل : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « 1 » . وأما المعرفة التي هي على رؤية المنعم ؛ فهي أن العبد يعرف المنعم بالنعم للمنعم من غير أن يلتفت منه إلى النعمة قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 2 » ، وقوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ « 3 » . - وسئل الأنطاكي عن المعرفة ومدارجها ؟ فقال : المعرفة تكون بتعريف اللّه سبحانه ، ومدارجها ثلاث ؛ فالمدرج الأول : إثبات وحدانية الواحد القهار . والثانية : قطع القلب عما دون الحق . والثالثة : هي التي لا سبيل لأحد إلى عبارتها ، يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ « 4 » . وقال ذو النون المصري : المعرفة على ثلاثة أوجه ؛ أوّلها معرفة التوحيد ، وهي لعامة المؤمنين . والثاني : معرفة الحجة والبيان ، وهي للعلماء والحكماء والبلغاء . والثالث : معرفة صفات الوحدانية ، وهي لأهل ولاية اللّه عزّ وجلّ الذين يشاهدون بقلوبهم ، فأظهر اللّه تعالى بقلوبهم لهم ما لم يظهر لأحد من العالمين . قال وأنشدونا في معناه : طلب الحبيب من الحبيب لقاؤه * ومنى الحبيب من الحبيب لقاه أبدا يلاحظه بعيني قلبه * فالقلب يعرف ربه ويراه يرضى الحبيب من الحبيب بقربه * دون العباد فما يريد سواه وقال أبو سليمان الدارانى : لو أنّ المعرفة نقشت على شئ ، ما نظر إليها أحد إلا مات من حسنها وجمالها ، ولأظلم كل ضوء في جنب ضوئها . وقال بعضهم : إن لكل أحد رأس مال ورأس مال المؤمن المعرفة ، ولكل قوم معاملة ، ومعاملة العارف السرور بها . وقال عبد العزيز بن عمير : إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور ، وعند الجمل الصؤول ،

--> ( 1 ) سورة النحل : 53 . ( 2 ) سورة الأنفال : 64 . ( 3 ) سورة التوبة : 129 . ( 4 ) سورة النور : 40 .